اسماعيل بن محمد القونوي
244
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يبقى بمرور الدهور بخلاف ما يذكرونه في تأويله بلا كتب وعن هذا قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] الآية والمراد بما كتبوه المحرف والتأويلات الزائغة المكتوبة في خلاله . قوله : ( أو ولا تجعلوا الحق ) الخ هذا مبني على إرادة المعنى المجازي للخلط فحينئذ الباء للسببية ظرف لغو لتضمين معنى الجعل مشار إليه بقوله ( ملتبسا ) قوله ( بسبب خلط الباطل ) تنبيه على كون الباء للاستعانة وعلى تقدير المضاف وهو الخلط فحينئذ فيه شائبة الجمع بين الحقيقة والمجاز فإن المراد بالخلط هنا المعنى الحقيقي ويحتمل أن يكون مراده بيان حاصل المعنى بلا تقرير مضاف في نظم الكلام ولعل لهذا أخره أو لأنه مجاز وهو مرجوح حسبما أمكن الحقيقة أو لاحتياجه التضمين ( الذي تكتبونه في خلاله ) أي في خلال الحق وهو التورية في خلاله إشارة إلى ما ذكرنا آنفا من أن ما كتبوه عام للمحرف الزائد من عند أنفسهم وللتأويل الباطل في بيان معنى المنزل فحينئذ يكون المراد بقول ( أو تذكرونه في تأويله ) ذكرها بلا كتب في خلال المنزل وهو الذي ترك ذكره في الوجه الأول لما ذكرنا ولو ذكره هناك لكان له وجه وجيه لكن النكتة بناء على الإرادة . قوله : ( وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ جزم داخل تحت حكم النهي ) احتمل احتمالين تصدى لبيانهما وقدم الجزم لسلامته عن تقديران وكتما الحق غير خلط الباطل بالحق ولهذا نهوا عنه بعد النهي عن اللبس المذكور وقدمه لاستلزامه كتمان الحق في الجملة . قوله : ( كأنهم أمروا بالإيمان ) بقوله تعالى : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ [ البقرة : 41 ] الآية ( وترك الضلال ) بقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ « 1 » [ البقرة : 41 ] إلى قوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ [ البقرة : 42 ] الآية أو بقوله تعالى : وَلا تَشْتَرُوا [ البقرة : 41 ] الآية أن قوله : جزم داخل تحت حكم النهي فالمعنى ولا تكتموا الحق كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال أي أمروا بالإيمان بقوله : آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ الآية وما عطف عليه من قوله : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [ البقرة : 41 ] فإن النهي عن ترك الكفر في ضمنه أمر بالإيمان والأمر بترك الضلال مستفاد من قوله عز وجل : وَلا تَشْتَرُوا [ البقرة : 41 ] الآية فإن منطوقه النهي عن استبدال حظوظ الدنيا بالإيمان بها ومفهومه الأمر بترك تحريف أحكام التورية فكان أمرا بترك الضلال المنهي هنا تحريف التورية وللتحريف نسبتان نسبة إلى من سمع الحق ونسبة إلى من لم يسمعه فنهي من حيث نسبته الأولى بقوله عز وجل : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [ البقرة : 42 ] ومن حيث نسبته الثانية بقوله عز وجل : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وكتمان الحق إخفاء له فأشار إليه بقوله والإخفاء على من لم يسمعه .
--> ( 1 ) بخلاف قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ فإن مجموع الوصفين الأخيرين بعد اعتبار التعاطف بينهما معطوف على مجموع الأولين بعد اعتبار العطف بينهما أيضا ومثل هذا وإن أمكن هنا لكنه لا حاجة إليه .